Your browser doesn't support JavaScript or you have disabled JavaScript. Therefore, here's alternative content... إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ - نداء الرجاء شبكة الحوار الإسلامي المسيحي

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ

الإعجاز العلمي
أدوات القراءة
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

" إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ ‏" (ص:71).

هذه الحقيقة القرآنية جاءت في الخمس الأخير من سورة ص‏ ,‏ وهي سورة مكية وعدد آياتها ‏(88)‏ بعد البسملة ‏,‏ ويدور محورها الرئيسي حول ركائز العقيدة الإسلامية‏ ,‏ وفي مقدمتها توحيد الله الخالق ‏(‏سبحانه وتعالى‏) ,‏ وتنزيهه عن جميع صفات خلقه ‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله ‏.‏

وتبدأ هذه السورة الكريمة بالحرف الهجائي المفرد ‏(ص‏)‏ والذي سميت باسمه السورة‏,‏ وهذه المقطعات من الحروف الهجائية التي استفتحت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم عرفت باسم الفواتح الهجائية‏,‏ وقيل فيها إنها إما رموز إلى كلمات أو معان أو أعداد في صلب السورة ‏,‏ أو أنها أسماء للسور التي جاءت في مطالعها‏ ,‏ أو هي أسلوب من أساليب تحدي العرب‏ ,‏ وهم في قمة من قمم الفصاحة والبلاغة وحسن البيان ـ أن يأتوا بقرآن مثله ـ وقد نزل بلغتهم ـ أو أن يأتوا بعشر سور مفتريات من مثله ‏,‏ أو حتى بسورة واحدة من مثله ‏,‏ ولا يزال هذا التحدي قائما دون أن يستطيع عاقل أن يتقدم ليقول إنه استطاع كتابة سورة من مثل سور القرآن الكريم‏ .‏
كذلك قيل في هذه المقطعات إنها وسيلة من وسائل قرع الأسماع وإيقاظ العقول والقلوب لتلقي كلام الله‏ (‏تعالى‏).‏ وقيل فيها إنها من الأدلة على صدق رسول الله ‏(صلى الله علىه وسلم‏)‏ لنطقه بأسماء الحروف ـ وهو الأمي ـ والأمي ينطق بأصوات الحروف ولا يعرف أسماءها‏ ,‏ وقيل فيها إنها تشمل ذلك كله‏ ,‏ وغيره مما لا يعلمه إلا الله‏ (تعالى‏) .‏

وبعد هذا الاستفتاح يقسم ربنا ‏(تبارك اسمه‏)‏ ـ وهو الغني عن القسم ـ بـ‏" الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ‏" أي ذي الشرف الرفيع والمكانة السامقة‏ ,‏ والذي فيه كل حق وذكر وموعظة‏ ,‏ وكل ما يحتاجه الإنسان من أمور الدين‏,‏ ويأتي جواب القسم بقول الله‏(عز من قائل‏) :‏ " بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ . كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَ لاَ تَ حِينَ مَنَاصٍ . وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ . أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ . وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ . مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ . أَأُنزِلَ علىهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ .أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهَّابِ . أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ . جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الأَحْزَابِ " (ص‏:2‏-‏11)‏ , وتشير هذه الآيات الكريمة إلى أن الكفار والمشركين ـ في القديم والحديث وإلى يوم الدين ـ هم دوما في استكبار على اتباع الحق‏,‏ وفي محاربة لأهله‏,‏ دون اعتبار بهلاك الكافرين والمشركين والمتشككين من قبلهم ‏,‏ وهم دوما في إصرار على الكفر بالله أو الشرك به ‏(سبحانه‏) ,‏ وعلى التشكيك في بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله علىه وسلم‏) ,‏ وفي القرآن الكريم‏ ,‏ وفي حقائق الدين الخاتم‏ :‏ ومنها البعث والحساب والجنة والنار‏ ,‏ إلى حد استعجال عذاب الآخرة في الدنيا قبل يوم الحساب‏ ,‏ وهم بعد لم يذوقوا ألوان هذا العذاب‏ ,‏ ولو ذاقوا طرفا منه ـ وهم حتما ذائقوه إن شاء الله تعالى ـ ما تطاولوا هذا التطاول الكاذب وهم ليسوا من الله‏(تعالى‏)‏ ببعيد ‏..‏

وهذه الصورة من صور فجر الكافرين في محاربتهم للحق مستمرة عبر التاريخ حتى يوم الدين‏,‏ ومن صور استكبارهم‏,‏ وغفلتهم‏,‏ وتعنتهم المعاصرة ما تبثه بعض الفضائيات المأجورة اليوم باسم الدين ـ والدين منها براء وهي في الحقيقة ليست إلا أبواقا للكفر والشرك والضلال‏ "‏ ‏وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ " (يوسف:21) .‏
وفي الرد على كفار قريش‏ ,(وعلى أمثالهم في كل زمان ومكان‏)‏ تسأل الآيات في سورة ص هذا السؤال التوبيخي التقريعي فتقول ‏:‏ هل عند هؤلاء الضالين خزائن رحمة رب العالمين العزيز الوهاب؟ أم هل لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما وهم لا يملكون أنفاسهم؟‏.‏
وفي استعراض لنماذج من هؤلاء المكذبين بالدين في القديم وما لقوه من عذاب أليم في الدنيا قبل الآخرة جاء ذكر كل من قوم نوح ‏,‏ وقوم لوط‏ ,‏ وعاد‏ ,‏ وفرعون‏ ,‏ وثمود‏ ,‏ وأصحاب الأيكة ليعتبر أهل الكفر والشرك والضلال من المعاصرين وممن سوف يأتون من بعدهم إلى يوم الدين‏..!!.
وفي هذا السياق أيضا جاء ذكر عدد من أنبياء الله‏ (‏تعالى‏)‏ منهم‏:‏ آدم‏ ,‏ وإبراهيم ‏,‏ وإسماعيل وإسحق ‏,‏ ويعقوب‏ ,‏ واليسع ‏,‏ وذو الكفل ‏,‏ وداود ‏,‏ وسليمان ‏,‏ وأيوب ‏(على نبينا وعلىهم من الله السلام‏) .‏

ثم استعرضت الآيات جانبا بما أغدق الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ به من فضل على كل من عبديه داود وسليمان‏ ,‏ وما أصاب كلا منهما من شئ من الضعف البشري ‏,‏ وما تدارك كلا منهما من رحمة الله‏ (‏تعالى‏)‏ حتى استغفر وتاب وأناب إلى خالقه‏ ,‏ وما كان من قبول الله‏ (‏تعالى‏)‏ لتوبة كل منهما وإنابته ويبدو أن الحكمة من كل ذلك هي الا يفتن احد من الخلق بما وهبهما الله‏ (سبحانه‏)‏ من نعم غير عادية فيشرك بهما مع الله‏ (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا‏)‏ أو يعبدهما من دونه كما فعل الكثيرون من الضالين في القديم والحديث ولا يزالون يفعلون ‏,‏ ثم يتطاولون على أهل التوحيد الخالص ‏,‏ والإيمان الصادق كما تتطاول الجرذان المذعورة المستترة خلف بعض فضائيات الضلال‏ .‏
وجاءت قصة نبي الله داود ‏(‏على نبينا وعلىه السلام‏)‏ تجسيدا لابتلاء الله‏ (‏تعالى‏)‏ للصالحين من عباده‏ ,‏ وتطهيرا لهم وتكفيرا عن خطاياهم مهما كانت قليلة ‏,‏ وتزكية لنفوسهم ‏,‏ ورفعا لدرجاتهم عند ربهم ‏,‏ ونموذجا لصبر الأنبياء على البلاء حتى يكشفه رب العالمين‏ ,‏ ويقتدي بهم الأمثل فالأمثل من عباد الله الصالحين ‏.‏
وجاء هذا القصص تثبيتا لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك علىه وعلىهم أجمعين‏)‏ وللمؤمنين به في كل زمان ومكان‏,‏ في وجه ما لقيه ‏(‏صلى الله علىه وسلم‏)‏ ويلقونه من تكذيب الكفار والمشركين ‏,‏ والملاحدة الساقطين ‏,‏ والظلمة المتجبرين في كل أرض ‏,‏ وفي كل حين ‏,‏ كما جاء هذا القصص تأكيدا له‏(‏صلى الله علىه وسلم‏)‏ وللمؤمنين به من بعده أن النصر مع الصبر‏ ,‏ وأن التمكين في الأرض ‏,‏ والرعاية ‏,‏ والتوفيق ‏,‏ والفضل كله من الله‏ (‏تعالى‏)‏ الذي تعهد بنصرة عباده المؤمنين‏ .‏
وتعاود الآيات في سورة ص تعظيم القرآن الكريم بوصف الحق‏ (‏تبارك وتعالى‏)‏ له موجها الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ فيقول ‏(‏عز من قائل‏) :‏
" كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إليكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ " ‏(ص‏:29) .‏
ثم تصور هذه السورة المباركة مشهدا من مشاهد الآخرة وفيه جانب مما ينتظر المتقين من نعيم مقيم ‏,‏ وما ينتظر الكفار والمشركين من عذاب مهين ‏,‏ وتخاصم في النار مشين‏ ,‏ أيا كانت مكانتهم في الدنيا‏,‏ ومهما استكبروا وعلوا فيها‏,‏ ومهما تطاولوا على الله‏ (‏تعالى‏)‏ وعلى رسوله الكريم‏ ,‏ وتجبروا على المستضعفين من خلق الله ‏.‏

وتعاود السورة الكريمة التأكيد على وحدانية الله‏ (الذي تنزه عن الشريك‏ ,‏ والشبيه ‏,‏ والمنازع ‏,‏ والصاحبة والولد‏)‏ فتقول موجهة الخطاب إلى رسول الله‏(‏صلى الله عليه وسلم‏) :‏ " قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ . رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا العَزِيزُ الغَفَّارُ . قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ . أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ . مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ . إِن يُوحَى إلى إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ " (ص‏:65‏-‏70) .
ثم تعرض سورة ص لقصة خلق أبينا آدم (‏عليه السلام‏)‏ فتقول‏ :‏" إِن يُوحَى إلى إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ . إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ . فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ . قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العَإلينَ . قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ " (ص‏:71‏-‏76)‏ .
وتختتم السورة الكريمة بطرد إبليس اللعين من الجنة ومن رحمة الله ورضوانه كما سوف يحرم منها أبالسة الأرض أجمعون‏ ,‏ وتذكر تهديد إبليس اللعين بغواية أهل الأرض أجمعين كما أغوي كفار قريش ومن تبعهم على الكفر والشرك إلى يوم الدين ‏,‏ وذلك في حوار بين الله ‏(‏تعالى‏)‏ وهذا المخلوق اللعين من شياطين الجن فتقول الآيات‏ : " قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ . وَإِنَّ عليكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ . إِلَى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ . قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ .إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ . قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ . لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ . قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عليهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ . إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ . وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ " ‏(‏ص‏:77‏-88) .‏

" إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ ‏" (ص:71).

من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة ص :
‏(1)‏ الإيمان بأنه ما من إله إلا الله‏ ,‏ الواحد القهار ‏,‏ العزيز الغفار ‏,‏ الوهاب‏ ,‏ المنزه عن جميع صفات خلقه ‏,‏ والذي لا تنتهي خزائن رحمته ‏,‏ والذي لا شريك له في ملكه ‏,‏ ولا منازع له في سلطانه‏ .
‏‏(2)‏ التسليم بأن القرآن الكريم هو وحي الله الخاتم الذي أكمل به الدين ‏,‏ وأتم به النعمة على عباده المؤمنين ‏,‏ وتعهد بحفظه إلى يوم الدين‏ ,‏ وأنه كتاب مبارك كريم ‏,‏ لا يدرك قدره إلا أولوا العقل السليم ‏,‏ والفكر القويم ‏.‏
‏(3)‏ اليقين بأن الله‏ (‏تعالى‏)‏ أنزل هدايته للبشرية بالوحي إلى سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ وأن هذه السلسلة المباركة ختمت ببعثة سيدنا محمد‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وأن الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله ـ بغير تفريق ولا تمييز ـ هو من صميم الدين ‏,‏ وأن تكذيب أي من رسل الله الصادقين يستوجب العقاب من الله ‏(‏تعالى‏)‏ في الدنيا قبل الآخرة‏ .‏
‏(4)‏ التسليم بأنه ما على رسل الله إلا البلاغ المبين ‏,‏ ولذلك وصف الله‏ (تعالى‏)‏ خاتم أنبيائه ورسله ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ بأنه نذير مبين ‏.
‏‏(5)‏ التصديق بقصص القرآن الكريم‏ ,‏ وبكل ما أصاب الكفار والمشركين من الأمم السابقة من عذاب ‏,‏ وبما سوف يصيب كفار ومشركي وظلمة اليوم والغد إلى يوم الدين من عذاب إن شاء الله رب العالمين ‏.‏
‏(6)‏ الإيمان بالآخرة وبكل ما رواه القرآن الكريم من أحداثها بدءا بالبعث والحساب ‏,‏ وانتهاء بالخلود إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ .‏
‏(7)‏ اليقين بأن الله (‏تعالى‏)‏ سوف يملأ جهنم بأبالسة الجن والإنس ‏,‏ وبجميع من تبعهم من الكافرين والمشركين والمكذبين ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ والمتطاولين على مقامه الشريف كذبا وزورا وبهتانا طمعا في شيء من حطام الدنيا الفانية ‏.‏
‏(8)‏ التصديق بكل المعجزات التي أجراها الله‏ (‏تعالى‏)‏ على أيدي أنبيائه ورسله‏,‏ كما جاء وصفها في القرآن الكريم ‏.‏
‏(9)‏ التسليم بوصف القرآن الكريم للجنة ونعيمها‏ ,‏ وللنار وجحيمها ‏,‏ وبجميع الأحداث المستقبلية التي ذكرها انطلاقا من اليقين بأن الله‏ (‏تعالى‏)‏ يري الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد ,‏ لأنه خالق كل من المكان والزمان الذي يحد بهما حركات وسكنات خلقه ‏,‏ وهي لا تحد الله ‏(‏تعالى‏) ,‏ لأن المخلوق لا يحد خالقه أبدا‏ .‏
‏(10)‏ اليقين بأن رزق الله‏ (‏تعالى‏)‏ لا ينفد أبدا‏ ,‏ وأنه‏(سبحانه‏)‏ هو الرزاق ذو القوة المتين‏ .‏
‏(11)‏ الإيمان الكامل بقصة الخلق كما أوردها القرآن الكريم ‏,‏ على الرغم من انبهار عدد من الكتاب والدارسين بفكرة التطور العضوي ‏,‏ وعلى الرغم من محاولات إحياء الادعاء القديم بوجود أكثر من آدم واحد‏,‏ أو بوجود بشر عاقلين قبل أبينا آدم ‏(‏عليه السلام‏)‏ وهي ادعاءات تفتقر إلى الدليل ‏.‏

من الإشارات الكونية في سورة ص :
‏(1)‏ الإشارة إلى وجود حيز فاصل بين السماوات والأرض ‏,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد أن الغلاف الغازي للأرض مكون من اختلاط غازات اندفعت ـ ولا تزال تندفع ـ من باطن الأرض مع المادة التي تملأ المسافات بين أجرام السماء‏,‏ وعلى ذلك فإن هذا النطاق البيني يمثل تركيبا مغايرا لكل من الأرض والسماء‏,‏ ولعل هذا هو المقصود بتعبير السماوات والأرض ومابينهما والذي ورد عشرين مرة في القرآن الكريم منها مرتان في هذه السورة المباركة‏ .‏
(2)‏ تأكيد خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق أي بالقوانين المنضبطة‏ ,‏ والسنن الحاكمة الدقيقة التي تعكس شيئا من صفات الخالق العظيم‏,‏ وتنفي كل الادعاءات الباطلة بالعشوائية والمصادفة‏ .‏
‏(3)‏ الإشارة إلى خلق الإنسان من طين ‏,‏ والتركيب الكيميائي لجسمه يؤكد ذلك ‏,‏ واغتذاؤه على عناصر مستمدة من طين الأرض بواسطة النباتات ‏,‏ أو مختزنة في أجساد حيوانات تتغذى على النباتات تضيف التأكيد على ذلك ‏,‏ ومرور جسد الانسان في مراحل تحلله بعد وفاته بمرحلة طينية قبل أن يجف ويتواري في تراب الأرض مما يزيد ذلك تأكيدا‏.‏
‏(4)‏ ذكر التسبيح بواسطة كل من الجبال والطير ‏,‏ والعلوم المكتسبة تقترب اليوم من التأكيد على أن كل مخلوق من مخلوقات الله غير المكلفة مثل الجمادات ‏,‏ والنباتات ‏,‏ والحيوانات له قدر من الإدراك الخاص به‏,‏ والذي يتواءم مع مستواه‏,‏ ويعينه في التعرف على خالقه ‏,‏ وفي المداومة على حمده وتسبيحه بلغة لا يدركها إلا أصحاب الأرواح الصافية ‏,‏ والقلوب العامرة بحب الله ‏(‏تعالى‏)‏ وحب خاتم أنبيائه ورسله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏) .‏
‏(5)‏ وصف الخيل بـ " الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ ‏" (ص:31) ,‏ وعلوم سلوك الحيوان تؤكد أن الخيل من الحيوانات المتميزة بشيء من الخيلاء والاعتداد بالنفس والاعتزاز بنعم الله تعالى عليها ‏,‏ وكذلك‏ (تصفن‏)‏ أي تقف على ثلاثة أرجل وعلى حافر الرجل الرابعة‏,‏ وجاء الوصف بالتأنيث لأن الأنثي هي الزعيمة الآمرة الناهية في قطيع الخيل ‏.‏
ووصفت الآيات كيفية تعامل نبي الله سليمان ‏(عليه السلام‏)‏ مع الخيل بقول الحق ‏(تبارك وتعالى‏) : " ... فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ " (ص:33)‏ وعلم سلوك الحيوان يؤكد أن من أفضل وسائل ترويض الخيل والتآلف معها هو المسح بكل من سيقانها وأعناقها لأنها من أكثر مواطن الاحساس إرهافا فيها‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها ‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثالثة من القائمة السابقة والمتعلقة بخلق ابينا آدم‏ (‏عليه السلام‏)‏ من طين والتي جاءت في الآية الحادية والسبعين من سورة ص ‏,‏ وقبل الوصول إلى ذلك أرى ضرورة الرجوع إلى أقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏ .‏

من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله‏ (تعالى‏) :" إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين‏ " (‏ص‏:71) :
أورد ابن كثير‏ (يرحمه الله‏)‏ ما مختصره‏ :‏ هذه القضية ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة البقرة ‏,‏ وفي أول الأعراف‏ ,‏ وفي سورة الحجر‏,‏ والإسراء‏ ,‏ والكهف ‏,‏ وههنا ‏,‏ وهي أن الله سبحانه وتعالى ‏,‏ أعلم الملائكة قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام‏ ,‏ بأنه سيخلق بشرا من طين‏ ..‏
-‏ وذكر صاحب الظلال ‏(‏رحمه الله رحمة واسعة‏)‏ ما مختصره‏ :‏ لقد خلق الله هذا الكائن البشري من الطين‏ ,‏ كما أن سائر الأحياء في الأرض خلقت من طين‏,‏ فمن الطين كل عناصرها‏,‏ فيما عدا سر الحياة‏ ..‏ ومن الطين كل عناصر ذلك الكائن البشري فيما عدا ذلك السر‏ ,‏ وفيما عدا تلك النفخة العلوية التي جعلت منه إنسانا من الطين كل عناصر جسده‏ ,‏ فهو من أمه الأرض‏,‏ ومن عناصرها تكون وهو يستحيل إلى تلك العناصر حينما يفارقه ذلك السر الإلهي المجهول‏,‏ وتفارقه معه آثار تلك النفخة العلوية التي حددت خط سيره في هذه الحياة ‏....‏

مراحل خلق آدم ‏(عليه السلام‏)‏ في الكتاب والسنة :

جاء ذكر خلق أبينا آدم ‏(‏عليه السلام‏)‏ وخلق نسله من بعده في العديد من آي القرآن الكريم وأحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين ‏(صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ ومن ذلك نختار الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التالية ‏:‏
أولا ‏:‏ خلق آدم‏ (‏عليه السلام‏)‏ من تراب‏ :‏
‏(1)‏ " إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ‏" ‏(‏آل عمران‏:59) .‏
‏(2)‏ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ‏.. " (الحج‏:5) .‏
‏(3)‏ " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ " (الروم‏:20) .‏
‏(4) " وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ‏.. " آ (فاطر‏:11) .‏
‏(5)‏ " هَوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ‏... " (‏غافر‏:67) .

ثانيا‏:‏ تحويل التراب الذي خلق منه آدم ‏(عليه السلام‏)‏ إلى طين ‏:‏
‏(1)‏ " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ‏.. " (الأنعام‏:2)‏ .
‏(2) " ...‏ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ " (الأعراف‏:12) .‏
‏(3) ‏" وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً " (الإسراء‏:61)‏ .
‏(4) ‏" الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ " (السجدة‏:7)‏ .
‏(5) ‏" إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ .فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَآ . فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَآ . إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَآ . قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّآ . أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العَإلىنَآ . قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ " (ص‏:71‏-76) .

ثالثا‏ :‏ اختيار ما يناسب من خلاصة الطين لخلق آدم عليه السلام :
" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ " (المؤمنون‏:12) .

رابعا‏ :‏ الجفاف النسبي للطين حتى أصبح لازبا أي ملتصقا بعضه ببعض‏:‏
‏" ...‏ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ " (‏الصافات‏:11)‏ .

خامسا‏ :‏ جفاف الطين حتى اسود وانتن وأصبح صلصالا من حمأ مسنون‏ :‏
" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ .وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِآ . وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍآ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ .فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَآ . إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَآ . قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَآ . قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ"‏ (الحجر‏:26‏-‏33) .‏

" إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ ‏" (ص:71).

سادسا ‏:‏ تيبس الطين على هيئة صلصال كالفخار‏ :‏
" خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ "‏ (الرحمن‏:14)‏ .
ولذلك جاءت الإشارات القرآنية العديدة إلى خلق الإنسان من الأرض من مثل قوله‏ (تعالى‏) :‏ " مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى " (طه‏:55) .‏
" وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاًآ . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً ‏" ‏‏(‏نوح‏:17‏-‏18) .‏
‏" ...‏ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ... " ‏ ‏(‏النجم‏:32) .‏
-‏ وللتأكيد على أن بني آدم جميعا كانوا في صلب أبيهم لحظة خلقه جاء قول ربنا ‏(تبارك وتعالى‏):‏ " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ السَّاجِدِينَ " (الأعراف‏:11)‏
" وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ " (الأعراف‏:172) .‏
-  ولتفسير ذلك قال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏ آ " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض‏ ,‏ فجاء بنو آدم على قدر الأرض ‏.‏ جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك‏ ,‏ والخبيث والطيب وبين ذلك ‏" (أخرجه الإمام أحمد عن أبي موسي الأشعري ‏,‏ وأخرجه أبو داود والترمذي عن عوف الأعرابي مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏) .‏
- كذلك قال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ إن الله‏ (تعالى‏)‏ خلق آدم يوم الجمعة وفي رواية أخرى " في آخر ساعة من يوم الجمعة " مما يؤكد على أن خلقه كان خلقا خاصا بالأمر الإلهي كن فيكون‏ .

سابعا‏ : ‏" ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ‏... " :‏ (السجدة‏:9).
وفي ذلك يقول الحق ‏(تبارك وتعالى‏) :‏ " الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍآ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍآ . ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ " (السجدة‏:7‏-‏9) .‏
ونسبة الروح إلى الله‏ (‏تعالى‏)‏ هي من قبيل التشريف لآدم‏ (‏عليه السلام‏) ,‏ لأن الله ‏(سبحانه وتعالى‏)‏ منزه عن جميع صفات خلقه ‏,‏ ومنها التجزيء ‏,‏ والتبعيض ‏,‏ والتنسيب إلى أب وأم أو إي صاحبه وولده‏ .‏

والروح التي نفخت في آدم هي من جنس ما استأثر الله بعلمه لقوله ‏(تعالى‏) :‏ " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً " (‏الإسراء‏:85)‏ .
وللتأكيد على أن الخلق عملية مغايرة للتسوية والتصوير جاء قول ربنا‏ (‏جلت قدرته‏) :‏ " يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِآ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ .فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ‏" (‏الانفطار‏:6‏-‏8) .‏

وفي الحديث الذي أخرجه كل من الأئمة الكبار البخاري ومسلم وأحمد عن كل من أبي حاتم وأبي هريرة أن رسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال ‏:‏ " إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته " والضمير في كلمة ‏(‏صورته‏)‏ يعود على الأخ المضروب‏ ,‏ لا على الله‏ (‏تعالى‏)‏ لأن الله ‏(سبحانه‏)‏ لا يشبهه أحد من خلقه‏ .‏ وإن كان كل من اليهود والنصارى والمشركين والوثنيين في كل عصر قد اعتقدوا خطأ أن الله ‏(‏تعالى‏)‏ قد خلق آدم على هيئة الذات الإلهية ,‏ والله الخالق الباريء المصور منزه عن الشبيه‏ ,‏ والشريك ‏,‏ والمنازع ‏,‏ والصاحبة والولد ‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ .‏

خلق الإنسان من طين :
يتضح من هذا الاستعراض السريع لقضية خلق الإنسان في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة أن الإنسان مخلوق مكرم‏ ,‏ خلقه ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في أحسن تقويم‏ ,‏ وسواه بيديه‏,‏ ونفخ فيه من روحه‏ ,‏ وأمر الملائكة بالسجود له ‏,‏ وعلمه من علمه‏ ,‏ وفضله على كثير من خلقه‏,‏ وحمله أمانة الاستخلاف في الأرض بعمارتها‏,‏ وإقامة عدل الله فيها‏ ,‏ وعبادة خالقه بما ‏,‏ والإنسان هو المخلوق المتميز بالعقل والذكاء ‏,‏ وبالقدرة على كسب المعارف وتعليمها ‏,‏ وعلى كسب المهارات وتطبيقها‏ ,‏ وعلى التفكير والإبداع ‏,‏ وعلى الشعور والانفعال ‏,‏ وعلى البيان المنطقي المرتب‏ ,‏ والتعبير عن الذات وعن المشاعر بدقة ووضوح‏ ,‏ ومن ثم كان الإنسان مكلفا بمسئولية الاستخلاف في الأرض‏,‏ ومحاسبا على أقواله وأعماله ومختلف نشاطاته فيها‏ .‏

والإنسان توازن دقيق بين المادة والروح ‏,‏ وميزانه في ضبط هذا التوازن هو عقله الذي يعينه على تحصيل المعارف المكتسبة من تفهم للقوانين الحاكمة للكون ولسنن الله فيه ‏,‏ وتوظيف ذلك كله في عمارة الأرض ‏,‏ وفي التعرف على الخالق العظيم من خلال التعرف على خلقه ‏,‏ وتلقي هدايته الربانية في الأمور التي لايقوي على وضع ضوابط صحيحة لنفسه فيها من مثل ركائز الدين من العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات ‏,‏ فيخضع لخالقه بالطاعة والعبادة بما أمر‏ ,‏ وبالالتزام بمكارم الأخلاق وطيب المعاملات حتى يتحقق له الارتقاء في معراج الله إلى أعلى الدرجات‏,‏ والوصول إلى رضاء الله وهي الغاية من وجوده في الأرض‏ .‏

والإنسان بالإضافة إلى روحه وعقله هو جسد مادي من عناصر الأرض‏,‏ ولذلك فهو خاضع لقوانين المادة ولسنن الله فيها‏,‏ وهذا الجسد الإنساني يتكون أساسا من الماء‏(54%‏ إلى أكثر من‏70%)‏ بالإضافة إلى قدر من المواد البروتينية ‏(من‏11%‏ إلى‏17%)‏ والدهون‏14%‏ إلى‏26%)‏ وعدد من العناصر والمركبات غير العضوية‏(5%‏ إلى‏6%)‏ وتشمل الكالسيوم‏,‏ الفوسفور ‏,‏ الكبريت‏,‏ البوتاسيوم ‏,‏ الصوديوم‏ ,‏ الكلور ‏,‏ الماغنيسيوم وآثار طفيفة من كل من اليود والفلور‏,‏ والبروم والحديد والنحاس‏,‏ والمنجنيز‏,‏ والزنك‏,‏ والكروم‏,‏ والكوبالت ‏,‏ والنيكل‏ ,‏ والموليبد ينوم‏ ,‏ والقصدير ‏,‏ والفاناديوم‏ ,‏ والسيليكون ‏,‏ والألومنيوم وكلها من عناصر الأرض ‏.‏ ولو اختلفت نسب بناء جسم الإنسان قليلا ما صلحت لبنائه‏,‏ وحتى شوارد العناصر التي توجد بنسب في حدود الآحاد من الألف في المائة فإن أقل خلل في نسبها بالزيادة أو النقصان قد يؤدي إلى اعتلال جسم الإنسان أو إفنائه ‏.‏

ويتكون جسم الإنسان من ألف مليون مليون خلية حية في المتوسط‏ ,‏ وهي خلايا متخصصة تتنوع بتنوع وظائفها‏,‏ وتنتظم كل مجموعة متخصصة من تلك الخلايا في أنسجة متخصصة‏,‏ ثم في أعضاء متخصصة‏,‏ ثم في أجهزة أو نظم متخصصة تتعاون كلها في خدمة هذا الكيان المبهر في دقة بنائه‏,‏ والعلماء يعجزون اليوم عن إدراك كيفية تعرف الخلايا المتخصصة على بعضها البعض لبناء الأنسجة المتخصصة ‏,‏ ولا معرفة كيفية تعرف الأنسجة‏ ,‏ ولا توافق الأجهزة لبناء هذا الجسد المتكامل الأداء ‏,‏ بذاتها ولكنه تدبير الخالق العظيم ‏.‏

والخلية الحية التي لا يتعدى قطرها في المتوسط ‏00,03‏ من المليمتر ولا يتعدي وزنها جزءا من مليار جزء من الجرام تعتبر بناء فائق التعقيد والكفاءة في الأداء‏ ,‏ يفوق في تعقيده جميع المصانع التي أقامها الإنسان ‏,‏ بل التي فكر في إقامتها ولم يتمكن من ذلك بعد ‏.‏

فالخلية البشرية لها جدار حي‏ ,‏ ولها سائل خاص يعرف باسم الهيولي ‏(السيتو بلازم‏) ,‏ ولها نواة تمثل مركز التحكم في الخلية‏ (عقل الخلية‏) ,‏ ويغلف النواة غشاء خاص يسمح بتبادل المعلومات والبروتينات النووية مع هيولي الخلية‏,‏ بدقة وإحكام بالغين ‏.‏

وللخلية جسيمات حية متناهية الضآلة في الحجم تعوم في سائل الخلية وتعرف باسم العضيات‏ (Organelles) ,‏ ومنها مولدات الطاقة أو المقتدرات ‏(Mitochondria) ,‏ ومراكز تصنيع البروتينات أو الريباسات‏ , (Ribosomes),‏ وغيرها‏ ,‏ ويحيط بالخلية الحية غشاء خلوي له كفاءة عالية في المحافظة على كيان الخلية كوحدة مستقلة دون عزلها عما حولها من الخلايا التي تتعايش معها في تفاعل كامل ‏.‏

وفي داخل النواة توجد الشفرة الوراثية المكونة من الصبغيات على هيئة شبكة صبغية تحمل نوية واحدة‏ ,‏ وعدد الصبغيات محدد في كل نوع من أنواع الحياة ‏,‏ وهي تحمل الصفات الوراثية كما تحمل مراكز توجيه صنع البروتينات المختلفة التي يحتاجها الجسم‏.‏ وتستطيع الخلية الحية على ضآلة حجمها انتاج مائة ألف صنف من البروتينات يكفي الجسم منها ألف بروتين أساسي‏,‏ ويعجز الإنسان عن انتاج هذا العدد من البروتينات في أضخم المصانع التي تم إنشاؤه في الزمن الذي تنتجه الخلية الحية‏.‏ ويختلف بناء الجزيء البروتيني باختلاف عمله فهناك بروتينات الغضاريف ‏,‏ والعضلات‏ ,‏ والأوعية الدموية‏ ,‏ والأنسجة الرئوية‏ ,‏ وبروتينات كل من الجلد والشعر ‏,‏ وبروتينات الدم وتجلطه ‏,‏ وهناك الإنزيمات والهرمونات المختلفة‏,‏ وغيرها من المركبات الكيميائية والفيتامينات المختلفة التي يحتاجها الجسم وتنتجها الخلية حسب الحاجة‏ .‏

هذه العجالة تؤكد أن تكون خلية واحدة من أكثر من مائة تريليون خلية حية في المتوسط في جسم الفرد الواحد منا لا يمكن أن يتم بعشوائية أو بمصادفة‏ ,‏ بل يحتاج إلى تقدير الخالق الباريء المصور ‏,‏ بل إن تكوين جزيء بروتيني واحد‏ ,‏ بل جزيء واحد من جزيئات الأحماض الأمينية المكونة للجزيء البروتيني لايمكن أن يتم إلا بتقدير مسبق وتدبير حكيم‏,‏ فالمصادفة لا تجدي في إنتاجه أبدا ‏.‏

وإذا قرر العلم ذلك ‏,‏ فلا مفر من الاعتراف بحقيقة الخلق‏,‏ وتدبير الخالق‏,‏ وإذا قال الخالق العظيم‏ : ...‏ إني خالق بشرا من طين فإن المخلوقات لا يملكون التمحك في تفسير ذلك مهما توفرت المشاهدات‏,‏ لأنهم لم يشهدوا خلق أنفسهم والشواهد على الخلق هي في الواقع قليلة ومتناثرة مع إيماننا بالأمر الإلهي ‏: " قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (‏العنكبوت‏:20) .‏
ومع ندرة شواهد الخلق وتناثرها‏ ,‏ فإن مناقشتها بمعزل عن الهداية الربانية تصبح مضيعة للوقت والجهد دون أدني طائل ‏,‏ وهنا يتضح دور القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في تجليه مثل هذه الأمور‏.